تربية الأولاد: دليل شامل لبناء جيل صالح ومتوازن
تربية الأولاد علمٌ وفنّ وليست مجرد طعامٍ ومدارس؛ هذا دليل شامل لمعنى التربية وأهدافها وجوانبها ووسائلها ومناخها الصحي وحاجات أولادنا النفسية ومراحلهم السنية.

مقدمة: حلمنا في أولادنا
بسم الله الرحمن الرحيم.
الإخوة والأخوات، الآباء والأمهات، المقبلون على الزواج، الأزواج والزوجات؛ هذا برنامج أُعِدَّ خصيصًا لأجلكم، لتحقيق حلمكم في بيوتكم وأولادكم، بنين وبنات. فلذات أكبادكم، وقرة أعينكم، وزينة الحياة الدنيا؛ أولادنا أكبادُنا تمشي على الأرض، إن هبّت عليهم الريح امتنعت العين عن الغمض. والأولاد قد يكونون أولادكم، أو أولاد إخوانكم وأخواتكم، أو أولاد جيرانكم وأقاربكم، أو أولادكم في مؤسسات التعليم والحياة.
أمنية كل أبٍ وأمٍّ أن يكون له ولدٌ صالح، يعرف ربَّه، ويبرُّ أهله، ويحبُّ وطنه، ويخدم مجتمعه، وينفع نفسه، وينفعنا بدعائه بعد أن نلقى ربًّا كريمًا ونحن في التراب إلى يوم الدين.
بداخل كل إنسانٍ منّا رغبةٌ كبيرة وأمنيةٌ عظيمة أن يكون أولادُه أحسنَ الناس في الدنيا، يحققون ذواتهم ووجودهم، ويبنون آمالهم وطموحاتهم، ويعيشون حياةً طيبةً كريمة، غير محتاجين لأحد، نفرح بهم في الدنيا ونسعد بهم في الآخرة.
الأب والأم يواصلان الليل بالنهار، لا يبخلان على أولادهما بأي شيءٍ هم بحاجةٍ إليه: علّمتُ أولادي أحسنَ تعليم، وأدخلتُهم أحسنَ المدارس، وأطعمتُهم أحسنَ الطعام، وألبستُهم أحسنَ اللباس، ومتعتهم أفضل إمتاع، وأدخلتُهم أعرقَ الأندية، ثم أقول: هكذا قد فعلتُ ما عليَّ وربّيتُهم أحسنَ تربية!؟
أولًا: نحن مقصّرون في حق أولادنا
يأخذ أحدنا دوراتٍ وبرامج في اللغات والحاسوب ومهارات الحياة، وربما صيانة السيارات، لكننا لا نفكر أن نتعلّم علم تربية الأولاد. قد يتصور بعضنا أنه لا يحتاج، أو أن التربية شيءٌ فطري أو إرثٌ اكتسبه من والديه، لكن ليس كل ما ورثناه صحيحًا، ولا كل ما تعلّمناه يصلح أن نكرّره صورةً طبق الأصل. أولادنا يجب أن يُربَّوا لزمانٍ غير زماننا، وحياةٍ غير حياتنا. التربية علمٌ وفنّ، وليست مدارس وأندية وطعامًا وشرابًا ولباسًا وترفيهًا فحسب. وهذا ما سنتعرّف عليه في برنامجنا: كيف نحقق حلمنا في أولادنا.
ثانيًا: معنى كلمة «تربية»
نحن بحاجة للتعرّف على معنى كلمة «تربية». ولكي نتعرّف على معناها، لا بد أن نعود إلى لغتنا العربية الجميلة؛ فالتربية تعني الزيادة والنماء، والنشأة والترعرع، والإصلاح والإعداد، والقيام بالمسؤوليات. وباختصار: تربية الأولاد هي بناء الإنسان شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى حدّ التمام والكمال. فالله ربّ العالمين ربُّ الناس، ربّنا وربُّ الناس، زادهم وأنماهم وأنشأهم وأصلحهم شيئًا فشيئًا حتى وصلوا إلى حدّ التمام والكمال: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم كُسيت العظام لحمًا، ثم استوى خلقًا آخر، فكان جنينًا، ثم رضيعًا، فطفلًا، فمراهقًا، فشابًّا راشدًا، فشيخًا كبيرًا. نريد أن نتعلّم من المنهج الإلهي؛ فالتربية مشوار عمرٍ وطريقة حياة.
ثالثًا: أهداف تربية الأولاد
إذا كانت التربية زيادةً ونماءً ونشأةً وحياةً وإصلاحًا وإعدادًا، فإن هذا يدعونا أن نتساءل: زيادةٌ ونماءٌ ونشأةٌ وحياة… كيف؟ وإصلاحٌ وإعداد… من أجل ماذا؟ إذن لا بد أن نحدّد هدفًا للتربية التي نتحدث عنها. ذلك لأن تربية الإنسان في المجتمعات الشيوعية كانت تجعل الفرد ترسًا في آلةٍ من أجل المجموع، ولا وجود لذاته ولا لكرامته أو آماله أو طموحاته. أما الإنسان في المجتمعات الغربية فيُربّى على الاستمتاع بالحياة إلى أقصى درجة، لأنه لا يؤمن بحياةٍ آخرة أو عودةٍ ثانية. وأما الإنسان في المجتمعات اليهودية فيُربّى على أخذ ما ليس له. وفي المجتمعات الرأسمالية، حيث يزداد الأغنياء غنىً والفقراء فقرًا، يتربّى الإنسان تربيةً مختلفة. ومن أجل ذلك سنتحدث عن التربية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وسنتحدث بإذن الله عن تربيةٍ إسلاميةٍ ربانية، تربط الإنسان بالله، تربيةٍ شاملةٍ في جميع مجالات الحياة، متوازنةٍ لا إفراط فيها ولا تفريط، واقعيةٍ تستمد من الماضي، وتستفيد من الحاضر، وتعمل للمستقبل.
رابعًا: جوانب تربية الأولاد الشاملة
نحن بحاجة للتعرف على جوانب التربية الشاملة الكاملة المتوازنة؛ لأن التربية الناقصة تُنتج إنسانًا مشوَّهًا غير مكتمل البناء. أرأيتم المتدرّب في رياضة كمال الأجسام دون موجّهٍ أو مدرّب؟ إذا كانت التربية هي الحياة، فلا بد أن تشمل كل مناحيها: الإيمانية والأخلاقية، الثقافية والاجتماعية، الحيوية والجمالية، الوطنية والهوية، السياسية والاقتصادية، الصحية والرياضية، الجنسية والجمالية. وإذا كانت التربية هي الحياة، فلا بد أن تشمل جميع نواحي هذه الحياة؛ ولهذا قلنا إن الأمر أكبر من الطعام والشراب والترفيه.
خامسًا: وسائل تربية الأولاد
للتربية وسائل وأدوات تساعدنا في تحقيق أهدافنا، منها: المعايشة والمصاحبة، والمثل والقدوة، والحوار والمناقشة، والقصة والحكاية، والثواب والعقاب؛ بمعنى أن نجعل لكل سلوكٍ حافزًا، وأن نُحسن استخدام الثواب والعقاب. فهل العقاب يعني ضرب أولادنا أم لا؟ وبعضهم يقول إن الضرب هو الوسيلة الوحيدة التي تأتي بالنتائج!
سادسًا: المناخ الصحي لتربية الأولاد في المنزل
بيوتنا في حاجةٍ إلى مراجعة؛ بيوتنا هي حصوننا، وحصوننا مهدَّدة من الداخل؛ لأن التربية التي نرجوها لأولادنا لا بد أن يسود في بيوتنا فيها: الحب والود بين الآباء والأمهات، والعطف والرحمة بالأولاد، والحوار والمناقشة، والاحترام المتبادل، والاستيعاب والتقبّل.
سابعًا: قواعد تربية الأولاد
حتى تحقق التربية أهدافها، وبعد توفير المناخ المناسب، هناك قواعد لا بد من احترامها والالتزام بها، ومنها:
- 1أصلح ما بينك وبين الله: «أصلحتُ ما بيني وبين الله فأصلح ما بيني وبين الناس».
- 2أصلح ما بينك وبين زوجك.
- 3الشراكة بين الأب والأم في تربية الأولاد، بعيدًا عن استبداد طرفٍ واحتكاره.
- 4تحرَّ الخير والتدرّج في التعليم والاكتساب: «إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحلم بالتحلّم، وإنما الصبر بالتصبّر».
- 5عامل ابنك وفق مرحلته السنية، وعبّر دائمًا عن عاطفتك، ولا تكن مفرطًا ولا مفرّطًا.
- 6الزمن جزءٌ من العلاج.
ثامنًا: آداب التوجيه والتقويم
حتى توفَّق في تربيتك لأولادك، بعد فهمك لمعنى التربية وأهدافها وصفاتها ووسائلها، والالتزام بالمناخ الصحي والقواعد التربوية، عليك مراعاة آداب التوجيه والتقويم، مثل:
- 1الإخلاص في النية.
- 2الصدق في الفعل.
- 3الاحترام لا التعسّف.
- 4المعالجة لا التجريح.
- 5التيسير لا التعسير.
- 6الستر لا الفضيحة.
- 7التماس الأعذار.
- 8الدعاء بظهر الغيب بالخير بدل الدعاء عليهم وقت الغضب.
تاسعًا: محاذير في تربية الأولاد
محاذير لا بد من اجتنابها، منها:
- 1التدليل الزائد.
- 2القسوة الزائدة.
- 3الحماية المبالغ فيها.
- 4التسلّط والقهر.
- 5إشعار الطفل بالنقص والعجز والضعف.
- 6ترسيخ مظاهر الفشل والإحباط.
- 7افتقاد الحب.
عاشرًا: الحاجات النفسية لأولادنا
نحن نطلب من أولادنا دائمًا، لكن ماذا يحتاج أولادنا؟ ما الحاجات النفسية التي يجب على الوالدين والمجتمع تلبيتها وإشباعها ليكون أولادنا أسوياء؟
- 1الحب.
- 2الأمن.
- 3التقدير.
- 4التقبّل.
- 5النجاح.
- 6الحرية.
- 7المعرفة.
- 8الترفيه والتسلية.
حادي عشر: المراحل السنية في تربية الأولاد
أولادنا يمرّون بمراحل سنية مختلفة: مرحلة الرضاعة والمهد، وما قبل المدرسة ورياض الأطفال، ومرحلة الطفولة المبكرة والمتأخرة، ثم المراهقة المبكرة والمتوسطة والمتأخرة، ثم مرحلة النضج والرشد. ولكل مرحلةٍ سمات وخصائص ينبغي أن نعرفها لنفهم أولادنا ونتعامل معهم على الوجه الصحيح، فبدون فهم المراحل لن نستطيع تحقيق حلمنا فيهم. ومن أمثلة ذلك:
- 1برمجة الطفل الرضيع لأمه.
- 2الاستحواذ والتملك عند طفل ما قبل المدرسة وبدايات الطفولة المبكرة.
- 3العناد والتمرّد عند طفل الطفولة المتأخرة.
- 4المراهق الذي نُعيشه في أزمة لأننا لا نفهمه، فنَدفعه إلى الاتجاه الخاطئ للتعبير عن نفسه، لأننا لا ندرك أن المراهقة مزيجٌ من الطفولة والنضج، يجتمع فيها الشيء ونقيضه.
- 5الكسل والخمول.
ثاني عشر: المشكلات السلوكية وعلاجها
نحن بحاجة للتعرف على بعض المشكلات السلوكية لدى أبنائنا، وكيفية التعامل معها وتقديم الحلول العملية لها. يقول البعض: ابني كذّاب، ابني عنيد، ابني غيور… ماذا نفعل؟ الموضوع كبير. خذوا مثلًا الكذب: هل تعلمون أن للكذب أنواعًا؟ منه الكذب التخيلي، والدفاعي، والمرضي، والانتقامي، والادعائي… فأيُّ نوعٍ لدى ابنك؟ ولماذا؟ صدّقوني، في نهاية برنامجنا سندلّكم على القاعدة: «ليس هناك طفلٌ مشكلة، ولكن هناك آباءٌ مشكلون وأمهاتٌ مشكلات».
ثالث عشر: تربية الأولاد في عصر التحولات
نحن نعيش عصر التحولات والتحديات والتغيرات الكبرى والفضاء الإلكتروني المفتوح، وهذا يحتاج إلى إعدادٍ خاصٍّ لنتمكن من مواجهة التحديات والمتغيرات الجديدة.
خاتمة: أولادنا أمانة
وانتظرونا بمشيئة الله لتحقيق حلمنا.
للمزيد: اطّلع على برنامج الماجستير في التربية والمزيد من المقالات التربوية.


